ما الذي أنتجته سياسة التصعيد، وما الذي أخفقت في تحقيقه بوضوح
محمد كركي | الجمعة ١٦، كانون٢، ٢٠٢٦
❗خاص❗ ❗️sadawilaya❗
بحلول اللحظة التي هدأت فيها الشوارع أخيرًا، كانت سلسلة الأحداث قد تجاوزت نقطة الرجوع. سيارات إسعاف أُحرقت أثناء تأديتها لمهام طارئة، مستشفيات أُضرمت فيها النيران ليلًا، مصارف نُهبت، مدارس خُرّبت، محطات كهرباء تضررت، مواقع ثقافية استُهدفت، عناصر شرطة قُتلوا، وأكثر من ألف جهاز صراف آلي حُطم في مدن متعددة، ما ترك أحياء كاملة بلا خدمات، وفاتورة نهائية تُقاس بتريليونات التومانات. اللافت لم يكن حجم الدمار وحده، بل غياب أي مكسب ملموس في المقابل: لا إصلاح، لا ورقة ضغط، لا اختراق سياسي. فقط أضرار استقرّت سريعًا في صميم الحياة اليومية.
---
من الضغط الاقتصادي إلى التعطيل المنهجي
لم تبدأ الاضطرابات من فراغ أو من عقيدة أيديولوجية، بل من ضغط اقتصادي تراكم لسنوات. الأسعار ارتفعت بوتيرة أسرع من الأجور، القوة الشرائية تآكلت تدريجيًا، وهامش الخطأ في تفاصيل العيش اليومي تلاشى. الاحتجاجات الأولى عكست هذا الواقع: كانت في معظمها سلمية، مركّزة على المطالب المعيشية، ومحدودة في أدواتها. حتى السلطات تعاملت معها في البداية كمسألة إدارة حشود، لا كتهديد أمني، في إشارة إلى أن المشهد ما زال ضمن إطار مألوف وقابل للاحتواء.
لكن هذا الإطار لم يصمد طويلًا. بعد نحو أسبوع، تغيّرت النبرة. التنظيم حلّ محل العفوية، والتصعيد بدأ يزيح المطالب. المنصات الرقمية ضاعفت الدعوات للمواجهة، وشبكات تعمل من الخارج — من بينها منظمة مجاهدي خلق — دفعت خطابًا يتجاوز الإصلاح نحو القطيعة. تبع ذلك تحول في الأساليب: تعطيل سيارات الإسعاف، استهداف المستشفيات، إحراق البنوك والمباني البلدية، تخريب المدارس والمراكز التجارية، وظهور السكاكين والأسلحة النارية إلى جانب الحرائق، في انتقال واضح من الاحتجاج إلى التعطيل المتعمّد.
---
العنف يضيّق القاعدة
مع تصاعد الاضطرابات، تقلّصت المشاركة. كثيرون ممن خرجوا طلبًا للانفراج أو إيصال الصوت انسحبوا حين أصبح التخريب هو السمة الغالبة. ما بقي كان مجموعات أصغر، أكثر عدوانية، تعمل بانضباط لا بعفوية. قوات الأمن، التي كانت تحمي التظاهرات قبل أيام، أصبحت هدفًا مباشرًا، وردّت الدولة بتحول حاسم من إدارة الحشود إلى الاحتواء: تفكيك خلايا مسلحة، اعتقالات، واستعادة السيطرة على الفضاء العام.
النتائج المادية كانت فورية ومتراكمة. الأضرار البلدية قاربت 3 تريليونات تومان، خسائر القطاع المصرفي نحو 2.1 تريليون، تدمير 1400 جهاز صراف آلي، تضرر 364 مجمعًا تجاريًا كبيرًا في 30 محافظة، خسائر شبكة الكهرباء اقتربت من تريليون، تدمير 182 سيارة إسعاف بشكل جسيم، تخريب 265 مؤسسة تعليمية، وتضرر مواقع تراثية متعددة. كل ذلك لم يُنتج ضغطًا سياسيًا أو إصلاحًا، بل أعباء إعادة إعمار وقعت مباشرة على مجتمع يرزح أصلًا تحت ضيق اقتصادي.
---
ضغط بلا حرب
بينما هدأت الشوارع، كان المشهد الخارجي يتحرك في اتجاه آخر. بعد أيام من إشارات لا تخطئها العين — من تحركات حول دييغو غارسيا إلى وجود قاذفات B-2 وأنماط إخلاء مألوفة — استعدّت الأسواق لضربات لم تقع. بدلًا من ذلك، جاء خفض التصعيد بهدوء، عبر قناة غير مباشرة سمحت بالضبط دون تنازل علني. انعكس ذلك فورًا في تراجع أسعار النفط وتفكك علاوات المخاطر.
الرسالة كانت واضحة لمن يراقب بدقة. الحشد كان أداة ضغط لا تمهيدًا للحرب. الرئيس دونالد ترامب، الذي سبق أن أظهر استعدادًا لاستخدام القوة، أظهر هنا استعدادًا مماثلًا لكبحها. انتقل الضغط من الصواريخ إلى الموازين: أسعار نفط أقل، إيرادات أضيق، ضغط مالي أعمق داخل نظام مُجهد أصلًا — وكل ذلك دون إطلاق صاروخ واحد.
---
سوء التقدير
هنا يتجلى الخلل الجوهري في القراءة. أجهزة الدولة لا تمتص الضغط كما يمتص الفرد الضربة. هي تتكيّف، تعيد التوزيع، تتصلّب، وتتعلم العمل تحت الإجهاد. الاستراتيجيات التي تراهن على دعم أو تحمّل التخريب الداخلي تفترض أفقًا زمنيًا قصيرًا وعائدًا حاسمًا. لكن ما يتآكل أولًا في الواقع ليس قلب الدولة، بل محيطها: البنية التحتية، خدمات الطوارئ، التعليم، الكهرباء، النظام المصرفي، وقدرة التعافي. خسائر فورية، تراكمية، ومحلية.
التصعيد هنا أنتج أضرارًا بلا عوائد. التحول الحاسم لم يأتِ من تعطيل الشارع، بل من إعادة توجيه صامتة للضغط تجنّبت الحرب وشدّدت القيود. التعامل مع إنهاك المؤسسات البطيء كما لو كان ضربة خاطفة هو سوء تقدير: يبالغ في سرعة التغيير السياسي، ويستخف بطول المدة التي تتحمل فيها المجتمعات الكلفة. ما يبقى بعد مثل هذه الفصول نادرًا ما يكون تحولًا، بل هامشًا أضيق للتعافي، ودرسًا أوضح حول أين يعمل الضغط فعلًا، وأين لا يفعل سوى استنزاف الوقت والموارد والأرواح.